الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

254

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

- صلى اللّه عليه وسلم - ، فإن كفار قريش لما كذبوه ولم يصدقوه طلبوا منه آية تدل على صدقه على دعواه ، فأعطاه اللّه هذه الآية العظيمة ، التي لا قدرة لبشر على إيجادها ، دلالة على صدقه - صلى اللّه عليه وسلم - في دعواه الوحدانية للّه تعالى ، وأنه منفرد بالربوبية ، وأن هذه الآلهة التي يعبدونها باطلة لا تنفع ولا تضر ، وأن العبادة إنما تكون للّه وحده لا شريك له . قال الخطابي : انشقاق القمر آية عظيمة ، لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء ، وذلك أنه ظهر في ملكوت السماوات خارجا عن جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع ، فليس فيما يطمع في الوصول إليه بحيلة ، فلذلك صار البرهان به أظهر . انتهى . وقال ابن عبد البر : قد روى هذا الحديث - يعنى حديث انشقاق القمر - جماعة كثيرة من الصحابة ، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين ، ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا . وتأيد بالآية الكريمة . انتهى . وقال العلامة ابن السبكي في شرحه لمختصر ابن الحاجب : والصحيح عندي أن انشقاق القمر متواتر ، منصوص عليه في القرآن ، مروى في الصحيحين وغيرهما من طرق من حديث شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود ، ثم قال : وله طرق أخر شتى ، بحيث لا يمترى في تواتره . انتهى . وقد جاءت أحاديث الانشقاق في روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة منهم : أنس ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وعلى ، وحذيفة ، وجبير ابن مطعم ، وابن عمر ، وغيرهم . فأما أنس وابن عباس فلم يحضرا ذلك ، لأنه كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين ، وكان ابن عباس إذ ذاك لم يولد ، وأما أنس فكان ابن أربع سنين أو خمس بالمدينة ، وأما غيرهما فيمكن أن يكون شاهد ذلك . ففي الصحيحين : من حديث أنس - رضى اللّه عنه - : أن أهل مكة سألوا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يريهم آية ، فأراهم انشقاق القمر شقتين ، حتى رأوا حراء